محمد حسين علي الصغير
131
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
بالمعاني الأصلية ، أو هي مقاربة ومجاورة لها ، كما هي الحال في استعمالات المجاز العقلي في القرآن ، بما يتوصل إليه بقرينة ذهنية نصل معها إلى مناخ مجازيته الفعلية بما أضفته من مسلك دقيق قد لا تتوصل إليه إلا الأفهام الثاقبة ، والطباع الرقيقة ، كما في قوله تعالى : وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ( 11 ) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ( 12 ) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ( 13 ) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ( 14 ) « 1 » . فأنت ترى أن الفصل والهزل ، وهما هاهنا وصفان للقرآن الكريم ، والوصفية هنا قد تكون أدل على المعنى المراد من المصدرية ، وذلك لأن الوصفية قد تغطي الدلالة الإيحائية مضافا إلى الدلالة المركزية بأن : هذا الوصف فضلا عن كونه مصدرا فهو مما يصلح أن يوصف به هذا الكتاب العظيم ، فيكون التأكيد على جديته وحاكميته أرقى من خلال التعبير النافذ ، فيكون ذلك ألصق به ، والمراد منه أشد وضوحا من إرادة المصدر بمفرده ، فاشتمل على المعنيين بوقت واحد ، وهذا أبرز معلم من معالم الاستعمال المجازي في القرآن . وقد عقب أستاذنا الجليل المرحوم الدكتور أحمد عبد الستار الجواري على هذا الملحظ الدقيق فقال مشيرا للنموذج القرآني الآنف : « ولعل من أهم الأسباب التي ميزت أساليب العربية بمثل هذه المزية قدم اللسان العربي ، وطول تداوله ، وكثرة تصرفه في المعاني ، بحيث تكتسب الألفاظ المفردة فيه معاني مضافة مجاورة ، بعد لأي وطول إلاف ، كأنها جزء من تلك المعاني الأصلية ، أو قرين مقارن مساو لها في الدلالة ، وذلك هو الذي يعبر عنه علماء البلاغة بقولهم في ( المجاز العقلي ) أنه : إسناد الفعل أو ما هو بمنزلته « 2 » . وما يقال هنا يقال بالنسبة لقوله تعالى : فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ( 29 ) « 3 » . ومعلوم أن إسناد البكاء إلى السماء والأرض معا ،
--> ( 1 ) الطارق : 11 - 14 . ( 2 ) أحمد عبد الستار الجواري ، نحو المعاني : 124 . ( 3 ) الدخان : 29 .